محمد بن أحمد النهرواني
374
كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام
فأرسل حضرة الوزير بالليل ، من يقيس عمق الخندق ، الذي وصل إليه العسكر المنصور ، فكان عمقه ستون ذراعا بذراع العمل ، وقعره متصل بالبحر مملوء بماء البحر . فتشاور الوزير مع الأمراء وأصحاب الرأي في ذلك ، فما وجدوا لذلك حيلة ، سوى أن يملأ الخندق بالتاب ، ويبنى عليه المتاريس ، فأمر الوزير المعظم ، وسائر العسكر بذلك . فشرعوا في نقل التراب من جلف المتاريس وباشر حضرة الوزير ، المشار إليه ذلك ، ونقل بيده الشريفة التراب ؛ ابتغاء مرضات اللّه العزيز الوهاب ، ونصرة لدين الإسلام ، وتأييدا لدين محمد عليه أفضل الصلاة والسلام . ورأى الأمراء ذلك ؛ فبادروا بأنفسهم إلى نقل التراب ، ورأى العسكر المنصور ذلك ؛ فهموا بأنفسهم غاية الاهتمام ، وأقدموا نهاية الإقدام ، وحملوا التراب بأذيال الثياب ، ورموا بها في الخندق ، إلى أن امتلأ ، وزاد في الارتفاع ؛ فبنوا المتاريس فوق ذلك إلى أن اعتلوا على الحصار ، وذلك لأربع عشر ليلة ، خلت من شهر ربيع الثاني سنة 981 ه . فصارت مدافع المسلمين تصل إلى وسط قلعة الكفار ، وتقتلهم ، وتحرقهم بالنار ، وتسوقهم إلى جهنم وبئس المصير ، ووصل في هذا اثنا عشر بكلاربكى الجزائر المتولى عليها إذ ذاك ، أمير الأمراء العظام رمضان باشا ، ومعه أربعة آلاف مقاتل ، واجتمع بحضرة الوزير المعظم ، وطلب معه خدمة يؤديها ؛ فأرسله ومن معه في عسكر الإسلام إلى إعانة المسلمين ، الذين حصروا الكفار بالقلعة التي بقرب تونس ، فتوجه إليها ، ونزل في جهة من جهاتها وحط عليها ، مع من هناك من البكلاربكية والأمراء والغزاة والمجاهدين والكبراء ، واستمر حضرة الوزير في محاصرة قلعة حلق الواد والاستيلاء على من فيها من أهل الكفر والعناد ، وأقدم المسلمون على الدخول إلى الحصار ، لما شاهدوا من الكفار . وحمل الوزير المعظم ومن معه من الأبطال جملة واحدة نزلت الجبال ،